السيد محمد الصدر
237
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أغمض عنه في الآية ، أي : إنَّهم يبلّغون بذلك إجمالًا ، وهذا يكفي لكي يعرف المنحرف والكافر أنَّ ما كان يكذّب به هو واقعٌ خارجي وحقيقةٌ ملموسةٌ ، فتكذيبه السابق كان على خطأٍ . وهذا بطبيعة الحال له نفعٌ في الدنيا بمعنىً ، كأنَّه يقول للكفّار : إنَّكم يجب أن تدركوا من الآن أنَّكم على خطأ ، فتغيّروا من سيرتكم وعقائدكم ، وتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً . والسؤال الآخر في الآية عن هذا الذي كنتم به تكذّبون . وحسب فهمي فإنَّه مرتبطٌ بمعنى الباء ، في قوله : ( به ) وهل هي للسببيّة أو للإلصاق ؟ والمشهور هو الإلصاق « 1 » بمعنى إلصاق التكذيب بالواقع المحسوس ، فهذا هو الواقع الذي كنتم تكذّبون به . ولكن يمكن - ولو كأُطروحةٍ - أن تكون الباء للسببيّة ، يعني : هذا هو الشيء الذي كنتم به تكذّبون بسببه وعن طريقه ، وهو أعمالهم وذنوبهم . يعني : هذه هي أعمالكم التي تكذّبون عن طريقها ؛ إذ تظهر من تكذيبكم عن طريقها . وحينئذٍ يقع السؤال : أنَّ ذلك ليس هو الأعمال ، بل هو العقاب عليها . فكيف أُشير إليه على أنَّه هو هذا ؟ وجوابه من عدة وجوهٍ : الأوّل : بتقدير مضافٍ ، يعني : عقوبة ما كنتم به تكذّبون ، أي : عقوبة الأعمال السيّئة . الثاني : القول بتجسّد الأعمال وأنَّ العقاب إنَّما هو في الحقيقة نفس العمل متّخذاً صورة أُخرى ، وهو العقوبة . غاية الأمر أنَّ الفرد في الدنيا كان يلتذّ بعمله ، وفي الآخرة يتألّم من عمله بعد أن ينكشف له زيفه وحقيقته
--> ( 1 ) أُنظر : تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 193 : 4 ، وغيره .